شكوي الحشاش الفصيح 2

وفي أسفل سور القلعة في أول الطريق الصاعد المؤدي إليها يقوم حانوت المعلم "صلاة على النبي" الذي يقدم لرواده الشربات والقرفة والزنجبيل والحلبة يحتسونها من أكواز نحاسية تلمع في الشمس، والمشبك الممسك المعطر والقطائف المحشوة بالفستق التي انتشلت من الزيت الذي يغلى لتغرق في السكر المعقود يأكلونها في زبادي الفخار المطلي وفي داخل الحانوت أريكتان من الخشب الخرط تستندان على جانبي الحانوت ، ويعلو كل منهما نافذة تطل على الخارج ، وتطل نافذة الجانب الأيمن على تكعيبة من الخشب البغدادلي تسلقت أعوادها شجرة لبلاب فكست جانبيها وسقفها بالأوراق الخضراء التي منحت الظل للجالسين على الأرائك الخشبية تحت التكعيبة ، ولم تمنع رؤية ما يجري في الخارج من خلال فرجات الأعواد الخشبية. وتحت التكعيبة وعلى أحد الأرائك جلس "عنكب" واحد من الحرافيش الذين يملأون شوارع القاهرة وحاراتها ودروبها وأسواقها وهم كثر ، "عنكب" ليس اسمه الحقيقي، ولكنه اسمه الذي ألصقه به الرفاق من الحرافيش بعد أن صار واحداً منهم ، اسمه الذي سماه به أبوه "محب الدين" ، كان أبوه خطاطاً ومذهباً ومزوقاً ووراقاً، سلمه أبوه لفقيه الكتاب الذي علمه القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، وحفظ أجزاء من القرآن ، ثم تتلمذ على والده فتعلم فنون الخط والتذهيب والتزويق ودقائق الوراقة وتجارة الكتب، وأحب القراءة وكان يرجو والده إلا يسلم نسخة كتاب تم استنساخه لمن طلبها إلا بعد أن ينتهي من قراءتها ، وكان أبوه فرحاً بإقبال ولده على العلم والقراءة فكان يطلب من المترددين عليه من العلماء الكبار اللذين يأتون إليه بحثا عن كتاب أو لاستنساخ كتاب أن يقرأ ولده عليهم وأن يعطوه إجازة بأنه قرأ عليهم كتبهم أو كتب غيرهم ، فجمع إجازات في الفقه والأدب والتاريخ والحديث والتصوف و. . و. . كانت الحياة هنيئة ولم يكن الزمان قد عبس له بعد ، زوجه أبوه من ابنة صديق له ، كانت حلوة الطبع بلسم للجراح وفي ابتسامتها دواء لأي شقاء ، حلوة الصورة ، بهية المنظر يغار منها بدر ليلة التمام ، أنجبت له ولداً وبنتاً كانا قرة عينه ، ولكن جاءت سنة "853هـ"، ولم يوف النيل وغدر ومارس لعبته القذرة التي يحلو له من آن لآخر أن يلعبها مع أهل مصر ، وقد حفظ أهل مصر أدوارها فهي تبدأ بعدم الوفاء فالقحط والغلاء، فالوباء والفناء ، ويبدو أن النيل لا يكفيه ولا يرضيه ما يلقاه المصريون من جور الحكام وظلمهم ، فيسلط عليهم الجوع حتى يأكلوا بعضهم بعضاً وكأنه يسخر منهم قائلاً:
قد كثر الجور فاعذروني
|
لما توقفت في الوفاء
|
وفي هذه السنة فقد "محب الدين" أو "عنكب" كل شئ ، فغر الوباء فاهه والتهم أباه وأمه والزوجة والأخت التي كانوا يعدون لزفافها والولد والبنت قرة عينه ، وتخرب البيت وتهدم، وكذلك الدكان في هجمات الجياع على أي مكان قد يجدون به طعاماً ولا وزن لأي اعتبار آخر عندهم، فقديماً قالوا: "الجوع كافر" ، وهام "محب الدين" على وجهه يقتات بما تصل إليه يده ويردد في أسي أثقل من جبل المقطم هذين البيتين:
إذا صفا الدهر يوماً
|
إلى التكدر يرجــع
|
فليعتبر من يشاهد
|
لمصرع بعد مصرع
|
وإذا ما قادته قدماه إلى خرائب البيت أو الدكان ، مرت بخياله صور الماضي الهنيء ، وذكريات السرور ولكنها تومض للحظات أقصر من أن تعد فتفيض دموعه ، ويمشي محاذراً أن يتعثر في جثة من الجثث الملقاة دون أن تجد من يدفنها، فالموت يحصد كل يوم عشرة آلاف نفس، ويعول "محب الدين" وينهنه قائلاً:
نبكي على مصر وسكانها
|
قد خربت أركانها العامرة
|
وأصبحت بالذل مقهورة
|
من بعد ما كانت هي القاهرة
|
وفي مرة أثناء جولانه اليومي الذى لا ينقطع وجد نفسه أمام رجل ضخم بارز العضلات مشوه الخلقة بيده سيف ومعه امرأة ترتدي ثوباً مهلهلاً يكشف من جسدها ما يجب أن يستر ، وهي جميلة وأن اختفي حسنها تحت ركام الوسخ والقذارة ، وألهمته غريزته أن الرجل يفكر في قتله وربما أكله هو والمرأة، غزاه الرعب وشله عن الحركة وأحس بقلبه بنبض بعنف، وأنه على وشك الانفجار ، وفجأة مرق حمار بينهم وهو ينهق ، فجرى الرجل الضخم تتبعه المرأة خلف الحمار، وبلاوعي التقط عوداً من الحديد من الأرض وجرى خلفهما.
وتعاون ثلاثتهم على الإمساك بالحمار وذبحه وسلخه ، وأوقدوا ناراً بعد أن كسروا أخشاب مشربية أحد المنازل المهجورة، وتناول "محب الدين" لأول مرة وجبة من الشواء منذ أن دهم الوباء المدينة وتركه وحيداً شريداً ، وبعد أن اكتفوا من الآكل ، تم التعارف بينهم ، فالرجل الضخم يدعى "البغل" وهو عيار وواحد من جماعات الشطار ، أما المرأة فاسمها "نرجس" وهي من بنات الخطا والهوى، هامت على وجهها بعد أن فتك الطاعون "بضامنة الأغاني" التي كانت تقيم في بيتها وبكل من فيه من قحاب وقوادين ، سألها "محب الدين" برغبة حقيقية في الفهم عن معنى "ضامنة الأغاني" فنظرت إليه باستغراب، ولكنها واصلت الكلام ضناً بضياع فرصة التسلي بالحديث ولو كان ذا شجون وسط أطلال البيت الخرب الذي جلسوا فيه ، وقد مالت رأس "البغل" وعلا شخيره مبدداً السكون الذي خيم على المكان فشرحت له أن "ضامنة الأغاني" هي التي تأخذ المال من النساء البغايا والمغنيات والراقصات، وتدفعه إلى السلطان نظير إسباغ الحماية على الخانات وبيوت البغاء ومن يقمن فيها من الخواطي ، فلا يتعرض لهن الوالي ولا أحد من أعوانه ، فأسماؤهن منزلة عند الضامنة ، وبيوتهن محمية ، ولو خرجت أجل امرأة في مصر تريد البغاء ونزلت اسمها عند "الضامنة" ، وقامت بما يلزمها لما قدر أكبر أهل مصر على منعها من عمل الفاحشة ، ومن أراد أن يعمل فرحاً لابد من مال تأخذه "الضامنة" ، ومن عمل فرحاً بأغان أو نفس امرأته من غير إذن "الضامنة" والدفع لها– حل به بلاء لا يوصف ، امتقع وجه "محب الدين" وأحس بقهر يعتصر قلبه بيد فولاذية ، فبكي وعلا نحيبه وشرق بدموعه ، فذعرت المرأة وارتدت للخلف فخبطت "البغل" الذي اعتدل مدهوشاً ، فلما رأي "محب الدين" ينتحب سأله – وهو يقهقه قهقهة ذات جرس شيطاني: "ما الذي جرى يا عنكب هل حاولت المرأة اغتصابك؟".
ومن تلك اللحظة لصق به اسم "عنكب ، وضاع اسم محب الدين مع أشياء كثيرة أخرى ضاعت منه ، تمطى "البغل" وتثاءب ثم دس يده في صدره وأخرج كيساً من الجلد فتحه، وأخرج قليلاً مما فيه، وأعطى للمرأة قسماً وضعته في فمها ، وأخذت تمضغه ، ونظر إلى "محب الدين" الذي كف عن البكاء، وقال له: "تعالى يا عنكب وخذ هذا ، إنه دواء لأحزانك سينسيك همومك وآلامك ويجعلك تحس إنك سلطان زمانك، ولكن أريدك أن تستفه وتطيل مضغه" ، وقدم له قسماً ، وضعه "عنكب" في فمه، وأخذ في مضغه فوجد مذاقه سكرياً وميز طعم السمسم ، وكلما واصل المضغ أحس بخدر لذيذ يسرى في جسده المتعب المنهوك، ونظر "البغل" إليه ورأى علامات الخدر تظهر على وجهه وفي ارتخاء جسده ، فقال له : "إنها المعنبرة الخضراء التي تكف يد الهموم عنك ، إنها أوراق الحشيش الخضراء جففتها قليلا ثم حمصتها وفركتها باليد، وخلطت بها قليل من السمسم المقشور وسكر".. ضاع صوت "البغل" ولم يعد "عنكب" يسمعه وإن كان لا يزال جالسا أمامه ، واستغرب عنكب إذ رأي "البغل" بغلاً حقيقياً ، ولكنه يرتدى جلباباً ويمسك بطبلة تصدر عنها إيقاعات مفرحة مثيرة دون أن يدق عليها "البغل" ، وسمع أنغام عود وناي ومزمار وشبابة وآلات العزف الأخرى ، واندهش إذ لم ير العازفين عليها ، ولكن الأنغام ملأت المكان الذي تحول بقدرة قادر إلى قاعة فخيمة أخذ يجيل نظره في سقفها المزخرف بالألوان والذهب ، وأرضيتها الرخامية الملونة ، وما فيها من مربعات ومدورات وزخارف على شكل دالات ، سمع خرير ماء فنظر ناحية الصوت فرأي نافورة بهية يتصاعد الماء من أفواه أسود رخامية مقعية على حافة حوضها ثم يسقط في الحوض، ومن باب في آخر القاعة دلفت "نرجس" تسبقها روائح زكية تنعش الفؤاد وتحرك الإحساس، وقد زينت شعرها بماسات براقة، وأحاطت معصميها بأساور من ذهب ، وهي ترتدي غلالة حمراء شفافة تكشف كنوز جسدها الذي في بياض الفضة، وأخذت ترقص وتدور وتهز نهديها وتحرك ردفيها ، وكلما زادت سرعة الإيقاعات زادت هي سرعة فيما تأتيه من حركات ، وأخذت تدور وتدور، ومن شدة الدوران انفصل واحد من نهديها وارتفع في الهواء كفقاعة الصابون ، وتابعه "عنكب" بناظريه واندهش إذ لم يجد سقفاً ووجد النجوم تطل عليه وكذلك القمر ، وواصل النهد صعوده ناحية النجوم، وتبعه ردف فساق . . . . صرخ عنكب "نرجس لا تتركيني هنا وحدي" .. وسبح صاعداً في الهواء محاولاً اللحاق بالأشلاء، وتجمعت بعض النجوم حوله، وأخذن يعابثنه ويلعبن معه وترددت ضحكاتهم رائقة صافية في جنبات الفضاء، ومضى الوقت، ثم بسم القمر وقال له "تعال يا ولدي كفي لعباً إنك متعب ، ضع رأسك على حجري ونم وعيني ساهرة تحرسك"، وحمله فيض الحنان في كلام القمر على الإذعان، فوضع رأسه على حجره وأغمض عينيه راضياً سعيداً. آفاق "عنكب" من نومه في الصباح ، واستسلم لحياته الجديدة وراقته صحبة "البغل" و "نرجس" ومال كلاهما إليه ، وأصبح ثلاثتهم أسرة، ومضت بهم الأيام ، وأخذ الوباء يرتحل شيئاً فشيئاً عن المدينة .












